الشيخ حسن المصطفوي

244

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو النزول عمّا يلاحظ فيه من مقام أو تكليف أو ثقل أو حمل ، مادّيّا أو معنويّا . وقريب منها مفهوم الحثّ والحبط والحدر والهدر ، وهذا القيد هو الفارق . * ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِه ِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ ) * - 7 / 161 . * ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِه ِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ ) * - 2 / 58 . التعبير في الآية الأولى بحرف الواو [ وكلوا ] ، وفي الثانية بالفاء الدالَّة على الترتيب : فانّ الأكل بعد الدخول دون السكون الَّذي في الأولى . والتعبير في الجملتين الأخيرتين من الآيتين بالواو الدالَّة على مجرّد الجمع : إشارة إلى عدم ترتيب بينهما ، وعلى هذا قدّم قول الحطَّة في الأولى دون الثانية . وأمّا قول الحطَّة : فمعناه اتّخاذ الحطَّة برنامجا في أمور حياتهم وفي جميع أمورهم ، وفي سلوكهم وأفكارهم وأعمالهم . وهذا كتكليفهم بخطاب - قولوا لا إله إلَّا اللَّه - أي اتّخذوا التوحيد منظورا وملحوظا في جميع أموركم وجريان حياتكم . وحقيقة الحطَّة هنالك : طرح الأثقال والأوزار والأحمال ممّا خالف العقل والشرع في عقيدة أو فكر أو خلق أو عمل . ومرجعه إلى التخلَّي والورع عمّا ينافي رضاء اللَّه تعالى ، والتقوى عمّا كانوا عليه من اتّباع الهوى وارتكاب المناهي والمعاصي . فيكون المعنى - بأن يكون برنامج أموركم بعد : هو الحطَّة ، فقولوا : جريان أمورنا هو الحطَّة عن الأوزار السابقة والكدورات الماضية والتكلَّفات المادّيّة الَّتي كانت لنا - . * ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) * - فبدّلوا برنامج حياتهم . ثمّ إنّ الحطَّة من أفعال العبد كالورع والزهد والتقوى ، فقول بعض المفسّرين بتقدير الفعل أي حطَّ حطَّة : غير وجيه .